روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
13
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
ثمّ نظر اللّه تعالى إليه بطرف الكبرياء ، وإذا به في عين الفناء ، ثمّ أفناه من الفناء . ثمّ أفنى الفناء من الفناء حتى لا يبقى غيره ، كما قال - جلّ جلاله - كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 26 - 27 ] . ثمّ أبقاه ببقاء البقاء ، وأقامه مقام الصفاء ، وأكرمه بكرامة اللقاء . فلم يزل باقيا ، لا يدخل تحت الفناء كما قال اللّه تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [ الزمر : 68 ] . ثمّ أشرق بنور الذات منوّرا بصبح الصفات ، ومنظورا بعين النور ، ومسرورا في بيت الحضور ، لا مقطوعا عن الوصول ولا ممنوعا عن الحصول . ثمّ غاب في مهمه « 1 » الغيبة عن صعقة الغيرة ، ملهوفا في سراب الحيرة من جلال بلا ناحية ، مقيّدا بحبل الاستسلام ، مذبوحا بسيف الاصطلام ، متلاشيا من عظم قدره ، متفشيا من سبحات وجهه . ثمّ سقاه من شراب الوداد ، أسكره بحقيقة المراد ، سكرا بلا قرار وخمرا بلا خمّار . ثمّ ذهب به من مصرع المحو ، وأنزله مكان الصحو ، وعلمه تأويل المشكلات ، وأراه عجائب المتشابهات . ثمّ أراه فنون المشاهدات في لباس المكاشفات . فصار متلونا من حسن حسنه ، مستوحشا من قرب قربه . ثمّ أمنه من نفسه بنفسه ، وأراه وقاية سبقه ، وزينه بزينة اليقين ، وأجلسه على مسند التمكين ، وأخرجه من اضطراب التلوين . ثمّ أقامه على سرادق السلطنة ، والتفت إليه بعين العظمة ، فاستحيا منه به ، وأراد أن لا يكون وجوده عند وجوده لأنه ليس من شرط الاتحاد إثبات الاثنين . فصار بين الحيا والخجلة مطروحا وبسيف الجلال مجروحا . ثمّ أقر عينه بنور المآب ، وأسمعه عجائب أصوات الخطاب ، وجلله بأردية الكرامة ، ووضع على فرقه تاج الولاية ، وأجلسه على كرسيّ المهابة ، وفتح له صندوق الكفاية فيه أنوار العناية . فاختلط عليه سكر رؤية البسط حق الاختلاط ، وشقّ نقاب الانبساط ، وطلب أفراد الفردانية في لباس الربانية فتغيّب صفات الروحانية بحسن الظن في جلال الرحمانية . ثمّ أشربه ترياق الصدق بكأس المحو ، وأدخله في رياض الإخلاص ، وسقاه من عيون الاختصاص . ثمّ صفاه بصفوة الصفاء ، وأتحفه حلة العطا . ثمّ وفقه
--> ( 1 ) المهمة : المفازة البعيدة ، والجمع المهامه . والمهمة : الفلاة بعينها لا ماء بها ولا أنيس . ( لسان العرب لابن منظور ) .